اسماعيل بن محمد القونوي

30

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

وإنما أقيم مقام التكذيب للدلالة على أنهم كذبوا في تكذيبهم ) البيت من البحر الكامل وزنه متفاعل أربع مرات وهو للأعشى ذكره المحشي والضمير للنفس والمراد صدقتها تارة بأن تقول إن أمانتها محققة وكذبتها مرة أخرى بأن تقول بخلافه أو غير ذلك وبالجملة الصدق والكذب ليسا في محل واحد فلا منافاة وفيه صفة الطباق والمرء ينفعه كذا به أي الكذب النافع كالكذب لإصلاح ذات البين قوله كذا به محل الاستشهاد قوله وإنما أقيم الخ جواب سؤال مقدر وفي هذا القول إشارة إلى أنه من قبيل أنبتها اللّه نباتا للإيجاز فيكون مصدرا لفعله الثلاثي أي كذبوه في تكذيبهم هذا كذبا أو مصدر للفعل المذكور باعتبار دلالته على الكذب لأن تكذيب الحق كذب وللتنبيه على ذلك أقيم الكذب مقام التكذيب ولم يلتفت إلى ما نقل عن ابن الحاجب من أن كذابا بالتخفيف مصدر فعل بالتشديد فيكون بمعنى المشدد لأنه حينئذ يفوت التنبيه المذكور من أنهم كاذبون في تكذيبهم . قوله : ( أو المكاذبة فإنهم كانوا عند المسلمين كاذبين وكان المسلمون كاذبين عندهم فكان بينهم مكاذبة ) أو المكاذبة عطف على قوله بمعنى الكذب فحينئذ صيغة المفاعلة إما في بابها كما بينه فإنهم عند المسلمين كاذبين في تكذيبهم الآيات وإنكارهم وكان المسلمون كاذبين عندهم في تصديقهم الآيات أشار به إلى أن المفاعلة استعملت في مقابلة الكذب الاعتقادي بالكذب الاعتقادي مجازا لا مقابلة الكذب الحقيقي بالكذب الحقيقي كما قال فكأن بينهم مكاذبة بأداة التشبيه وذلك لأن كل واحد من المشاركين في باب المفاعلة يريد أن يغلب على الآخر في ذلك الفعل وهذا إنما يكون إذا اتصف كل منهما قوله : أقيم مقام التكذيب للدلالة على أنهم كذبوا في تكذيبهم يعني أقيم كذابا بالتخفيف مقام تكذيبا على نحو قوله : أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً [ نوح : 17 ] في أنه مصدر غير مصدر الفعل المذكور للدلالة على أنهم كذبوا في تكذيبهم فيكون انتصابه على المصدرية لفعل محذوف مفعول مطلقا له تقديره كذبوا بآياتنا فكذبوا كذابا وانتصابه بفعل مذكور من غير تقدير فعل لأن التكذيب يتضمن معنى الكذب لأن من كذب بالحق فهو كاذب فإن جعل مصدر الكاذب يكون انتصابه بفعل محذوف على المصدرية له على أنه مفعوله المطلق التقدير كذبوا بآياتنا مكاذبين ومجيئه على صيغة المفاعلة حينئذ إما لأن بينهم وبين المسلمين مكاذبة يكذب كل منهم آخرين وإما على المبالغة فإن الفعل القادر من أحد المشاركين في ذلك الفعل يكون صدوره منه على جد وقوة لصدوره منه على قصد الغلبة على المشارك الآخر فإن استعمل فيمن لا مشارك له فيه يقصد به المبالغة غالبا هذا أقول في جعله من المفاعلة بناء على أن كلا من المسلمين والكافرين كاذب عند الآخر نظر لأن كل واحدة المشاركين في باب المفاعلة يريد أن يغلب على الآخر في ذلك الفعل وهذا إنما يكون إذا اتصف كل منهما به نحو خاصم وقاتل وكاتب وشاعر وحال المسلمين مع الكافرين ليست كذلك لأن كلا من هؤلاء ينزه نفسه عن الكذب ويتبرأ منه ويسنده إلى الآخر فإن معنى كاذب زيد وعمرو وقصد كل منهما السبق في الكذب على الآخر وليس معناه أنه جرى بينهما تكذيب وإن كلا منهما كذب الآخر .